مؤيد الدين الجندي
629
شرح فصوص الحكم
الشهوية منه عن التعلَّق بالملاذّ الجسمانية الطبيعية ، فبقي روحا ، والعقول المجرّدة الكلَّية ، « 1 » وهي نصف المعرفة بالله ، والنصف الآخر ظهر بالنصف الآخر من النفوس ، كما بيّنّا ، فاذكر . قال - رضي الله عنه - : « فإنّ العقل إذا تجرّد لنفسه من حيث أخذه العلوم عن نظره ، كانت معرفته بالله على التنزيه لا على التشبيه ، وإذا أعطاه الله المعرفة بالتجلَّي ، كملت معرفته بالله [ فنزّه في موضع التنزيه تنزيها حقيقيا لا وهميا رسميا ، وشبّه في موضع التشبيه تشبيها شهوديا كشفيا « 2 » ] ورأى سريان الحقّ بالوجود في الصور الطبيعية والعنصرية ، ولا تبقى صورة إلَّا ويرى الحق عينها ، وهذه هي المعرفة التامّة الكاملة التي جاءت بها الشرائع المنزلة من عند الله ، وحكمت أيضا بها « 3 » الأوهام كلَّها » . يشير - رضي الله عنه - إلى أنّ الوهم يستشرف إلى ما وراء موجبات الأفكار ، ولا ينفعل للقوّة الفكرية العقلية من حيث تقيّدها انفعالا يخرجها عن الإطلاق ، بل الوهم يتعلَّق أبدا بما فوق المدرك بالعقل ، فيجيز الحكم على المطلق بالتقييد مرّة ، ويحكم بالعكس أخرى ، ولا يحيل ذلك ، ويحكم بالشاهد على الغائب تارة ، وعلى عكس ذلك أخرى ، وهذا في جميع من له قوّة الوهم من المقلَّدين والمؤمنين . قال - رضي الله عنه - : « ولذلك كانت الأوهام أقوى سلطانا في هذه النشأة من العقل « 4 » ، لأنّ العاقل - وإن بلغ من عقله ما بلغ - لم يخل عن حكم الوهم عليه والتصوّر فيما عقل ، فالوهم هو السلطان الأعظم في هذه النشأة الإنسانية الكاملة ، وبه جاءت الشرائع المنزلة ، فشبّهت ونزّهت ، [ شبّهت في التنزيه بالوهم ، ونزّهت ] في التشبيه بالعقل ، فارتبط الكلّ بالكلّ ، فلم يمكن أن يخلو تنزيه عن تشبيه ، ولا تشبيه عن تنزيه ،
--> « 1 » الظاهر زيادة الواو . وفي شرح الكاشاني ( 277 ) هكذا : فكان على النصف من المعرفة بالله كالعقول المجرّدة . . . . « 2 » بدل ما بين المعقوفين في سائر نسخ الفصوص كذا : « فنزّه في موضع ، وشبّه في موضع » . « 3 » في بعض النسخ : بهذه المعرفة . « 4 » في بعض النسخ : من العقول .